محمد بن جرير الطبري

217

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

رايته وثبت عن مجلسي مبادرا ، فقبلت يده ورجله وحافر حماره ، فقال لي : يا عبد الله ، انى فكرت في امرك ، فقلت : يسبق إلى قلبك انى إذا شربت وحولي أعداؤك ، أزالوا ما حسن من رأيي فيك ، فاقلقك وأوحشك ، فصرت إلى منزلك لاونسك وأعلمك ان السخيمة قد زالت عن قلبي لك ، فهات فأطعمني مما كنت تأكل ، وافعل فيه ما كنت تفعل ، لتعلم انى قد تحرمت بطعامك وانست بمنزلك ، فيزول خوفك ووحشتك فأدنيت اليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ ، فأكل منها ثم قال : هاتوا الزلة التي ازللتها لعبد الله من مجلسي فأدخلت إلى أربعمائة بغل موقره دراهم ، وقال : هذه زلتك ، فاستعن بها على امرك ، واحفظ لي هذه البغال عندك ، لعلى احتاج إليها يوما لبعض أسفاري ، ثم قال : اظلك الله بخير ، وانصرف راجعا . فذكر موسى بن عبد الله ان أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال ، وكان هو يتولى النظر إليها والقيام عليها أيام حياه الهادي كلها . وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السلمى ، قال : أخبرني أبى ، قال : كان علي بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة ، ويرضى رضا الخليفة ، وكان أبى يقول : ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلى ابن عيسى ، فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط ، فقال : أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي ان أضربك مائه سوط ، قال : فاقبل يضعه على يدي ومنكبي ، يمسني به مسا إلى أن عد مائه ، وخرج فقال له : ما صنعت بالرجل ؟ قال : صنعت به ما أمرت قال : فما حاله ؟ قال : مات ، قال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! ويلك ! فضحتني والله عند الناس ، هذا رجل صالح ، يقول الناس : قتل يعقوب بن داود ! قال : فلما رأى شده جزعه ، قال : هو حي يا أمير المؤمنين لم يمت ، قال : الحمد لله على ذلك . قال : وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنه الفضل ، فقال له : لا تحجب عنى الناس ، فان ذلك يزيل عنى البركة ، ولا تلق إلى امرا إذا كشفته أصبته باطلا ، فان ذلك يوقع الملك ، ويضر بالرعية